عاصم ابراهيم الكيالى الحسيني الشاذلى الدرقادي
360
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى
منها أو مثلها ، وقد انقضت معجزاتهم بانقضائهم ، وله صلى اللّه عليه وسلم من المعجزات الباقية ما لا يحصى ولا يعد ، فمن ذلك - بل أعظم ما هنالك - كلام اللّه القديم ، وقرآنه الكريم ، فإنه يشتمل على آلاف كثيرة من المعجزات والدلائل ، والكمالات والفضائل ، والبراهين القاطعة ، والآيات الساطعة ، وشمس آياته مستمرة الطلوع على جميع الآفاق ، سافرة الأنوار ، باهرة الأبصار ، دائمة الإشراق ، ومن ذلك ما أخبر به صلى اللّه عليه وسلم في حياته ؛ بأنه سيقع بعد وفاته من أشياء كثيرة لا تدخل تحت الحصر ، ومن جملتها أشراط الساعة وعلامتها ، وقد وقع كثير من تلك الأشياء في الأعصر السالفة طبق ما أخبر به صلى اللّه عليه وسلم ، والوقوع مستمر في كل زمان ومكان ، ولا ريب أن ما لم يقع منها إلى الآن سيقع في مستقبل الزمان . . . كأشراط الساعة الكبرى . فإنه لو أخبر إنسان بألف خبر مثلا ، وتبين صدقه بتسعمائة وتسعة وتسعين منها ، فلا يشك أحد بأن الخبر الباقي سيتبين صدقه فيه أيضا . وهذا مثال تقريبي ، وإلّا فأمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أعظم من ذلك ، وصدقه محقق أكثر من هذا المخبر المفروض بما لا يقبل النسبة ، لأن هذا المخبر يحتمل خبره الكذب احتمالا ضعيفا ، بنسبة الواحد إلى الألف . وأما النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فإنه بالنظر إلى كثرة البشائر به قبل وجوده من الكتب السماوية ، والأحبار والرهبان ، والجن والكهان ، وكثرة معجزاته المتنوعة ، وتحقق صدقه في جميع ما ظهر في حياته وبعد مماته ، مما أخبر به من الغيوب المتنوعة أنواعا كثيرة مع كمال شمائله ، وغزارة فضائله ، واشتهاره قبل النبوة وبعدها عند قومه بالصدق والأمانة ؛ حتى كانوا يدعونه الأمين . ولم تؤثر عنه كذبة قط قبل النبوّة وبعدها ! فحينئذ لا يحتمل خبره الكذب قطعا ، ولا يشك في صدقه إلّا من عميت منهم البصائر ، أو لا تبلغهم المعجزات والبشائر ، ومن ذلك كرامات أولياء أمته صلى اللّه عليه وسلم ، فإنها كلها معجزات له ، وهي مستمرة الوقوع في جميع الأعصار والأقطار ، ولو حسب ما يقع منها في جميع الجهات في الشهر الواحد مثلا ، لبلغ ألوف ألوف ! وقد استفاضت في العالمين ، وملأت الكتب والدواوين ، وذلك قطرة من بحر ما لم يدوّن منها ومر بمرور الزمان ، واستقرّ في زوايا العدم كأنه ما كان ، وقلما يخلو مسلم له حسن اعتقاد بأولياء اللّه من مشاهدة شيء منها ، وكثيرا ما يشاهد بعض المنتقدين كراماتهم ، ولا يؤمن بولايتهم ، كما أن كثيرا من المشركين كانوا يشاهدون معجزات النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ولا يؤمنون به . وكراماتهم رضي اللّه عنهم هي فروع معجزاته صلى اللّه عليه وسلم ، كما أنهم هم بمنزلة فروعه أيضا ، فلا بد أن يحصل لهم ولكراماتهم حظ ونصيب مما حصل له ولمعجزاته صلى اللّه عليه وسلم من إنكار أهل الإنكار ، ومكابرة أهل العناد ، وقد تناقل معجزاته صلى اللّه عليه وسلم أئمة أمته في جميع الأزمنة والأمكنة ، جبل عن جيل ، وخلف عن سلف ، رواها التابعون عن الصحابة وعنهم من بعدهم من علماء الأمة ، وجهابذة الملة ، وحفاظ الحديث في القديم والحديث ، ودونوا فيها الكتب والأسفار ، ونشروها في جميع البلاد في جميع الأعصار .